التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مخترع التلغراف

شكل التلغراف قديماً 

مخترع التلغراف

قبل أن تعلن الولايات المتحدة الحرب على انجلترا في عام 1812 بيومين، اتخذ البرلمان الانجليزي خطوات سلمية – لو بلغت الحكومة الأمريكية في حينها – كان يمكن ألا تنشب الحرب بينهما. ولم يتألم لهذه الحقيقة مثلما تألم فنان أمريكي عمره 21 عاماً، كان قد وصل إلى لندن قبل ذلك ببضعة أسابيع. وقد كتب هذا الشاب لعائلته في أمريكا يظهر ندمه الشديد لعدم التوفيق إلى وسيلة لنقل الأخبار في لحظات أو ساعات عبر المسافات الطويلة. وكانت الفكرة حلماً يراود الناس منذ قرون، ولكن "صموئيل فنلي مورس" الرسام الأمريكي أخذ على نفسه أن يحقق هذا الحلم ..
كان "مورس" رساماً موهوباً ذاعت شهرته في أمريكا وأوروبا، وهو ما يزال في الثانية والعشرين من عمره، حينما أدرجت إحدى لوحاته بين اللوحات التسع الأولى من ألفي لوحة عرضت في الأكاديمية الملكية بلندن لفنانين من مختلف أنحاء العالم. وقد اشترك بعد ذاك في عدة لجان لمعاهد فنية كبرى. وفي عام 1932 – أي بعد وفاته بستين عاماً – خلد متحف المتروبوليتان في نيويورك ذكراه بإقامة معرض اقتصرت معروضاته على سوم "مورس".

من هو  صموئيل مورس

صموئيل موريس في شبابه 
ولد "صموئيل مورس" سنة 1791، وكان أبوه كاتباً اديباً، ألف كتابين صادفاً رواجاً كبيراً ودرا عليه مالا هيأ له تعليم صموئيل وأخويه في أرقى المعاهد. وكان صموئيل يكتب إلى والديه من جامعة "بيل" التي التحق بها بعد دراسته الثانوية، يقول أنه يحب دراساته بالجامعة .. ولكنه كان يجد متعة خاصة في دراسة الكهرباء، حتى أنه كان يسعى دواماً للإتصال بالعلماء الذين يجرون تجارب في هذا الميدان.
وبرغم ذلك كان يقضى معظم أوقات فراغه وهو ينقش لأصدقائه رسوماً لهم على العاج مقابل خمسة دولارات للصورة الواحدة.
وكان والده – في أول الأمر – يعارضان فكرة اتخاذه الرسم مهنة يتكسب منها عيشه. ولكنه حينما ظفرت لوحاته – وهو في التاسعة عشرة – بتقدير الرسام الشهير "جلبرت ستوارت"، سمحا له بأن يتخصص في دراسة الفن بانجلترا. وقد ظل بعد عودته إلى وطنه – أمريكا – في عام 1815، فترة من الوقت ينتج لوحات تلاقي تقديراً وإعجاباً من كثيرين. وكان أروع هذه اللوحات صورة لصديقه "لافاييت" ما تزال معلقة في متحف الفن بنيويورك.
وفي أكتوبر سنة 1832، كان "مورس" عائداً على ظهر إحدى السفن من زيارته لأوروبا. ودار الحديث ليلة بينه وبين جمع من المسافرين حول الكهرباء. وقال "مورس" أنه يأمل أن يخترع جهازاً كهربائياً يمكن بواسطته نقل الأخبار عبر المسافات الطويلة في لحظات، وسخر منه السامعون .. فتحمس لتنفيذ الفكرة وظلت فكرة الجهاز تنتابه كالحمى طيلة بقية الرحلة. فراح يجمع شتات ما تلقاه وما قرأه عن الكهرباء، ويحاول تسخير هذ المعلومات لتحقيق فكرته .. فيكون ذلك رداً علمياً على من سخروا منه. وعندما رسا في نيويورك كانت كراسته تحوى تصميمات لآلة التلغراف، لم تتغير قواعدها الأساسية حتى اليوم.
ولكن"مورس" كان ما يزال معروفاً بين الناس بأنه رسام. وكانت جامعة نيويورك قد أنشئت منذ زمان ليس ببعيد، فعينه مجلس إدارتها أستاذاً للنحت والتصوير, وكان ذلك اول "كرسي" للأستاذية في الفنون الجميلة أسس في جامعة من جامعات أمريكا .. فكان يقضي أيامه في الرسم ولياليه في محاولة إتمام الجهاز الذي شغل باله مدة طويلة. ولكن العمل كان يكلفه كثيراً، فاضطر لبيع معظم لوحاته لينفق على اختراعه. واتفق أن بناء "الكابيتول" في واشنجتون كان يحتاج إلى بعض الوخارف من كبار الفنانين .. فتقدم بطلب لاشراكه في هذه المهمة، ولكن طلبه لم يقبل .. فتزعزع إيمانه بفنه ودب اليأس في نفسه، فهجر الفن وركز كل جهوده في إتمام صناعة التلغراف.
وكان قد بلغ من الفقر والعوز أن عجز عن دفع إيجار غرفة نومه .. وكان يطهي طعامه بنفسه ليوفر المال لمواصلة تجاربه. وكان يضطر لصنع جميع الأدوات اللازمة له من بطاريات وقضبان ممغنطة، وحتى السلوك الكهربائية، وقد استخدم لجهاز الاستقبال "برواز" صورة ثبت فيه أجزاء من ساعة قديمة ليسحب شريطاً من ورق تحت بندول به طرف قلم. وكان طرف القلم يتحرك إلى الأمام وإلى الخلف، محدثاً خطاً متموجاً يمكن قراءته كنقط وشرط.
وفي عام 1836، اهتدى إلى صنع الجهاز الذي كان يحلم به، ولم يبق له ألا أن يضع رموزاً للحروف الأبجدية من النقط والشرط، فوضعها بمعاونة "الفريد فيل" أحد معاونيه.
وفي 24 يناير 1838، عرض – لأول مرة – جهازه، وكان يطمع في منحة مالية من حكومته. ولكن معاونيه الثلاثة اختلفوا معه بشأن تسجيل الجهاز .. ووجد نفسه في منازاعات وقضايا لا حصر لها، جعلته يكتب متأسياً: " مسكين هو المخترع .. أن حالته سيئة لا يحسد عليها حتى حين يبلغ قمة النجاح إذ يكثر حساده وأعداؤه!".
في عام 1839م ، في عهد السلطان عبد المجيد الأول كانت أول تجربة لإرسال التلغراف  والتي أجريت في الأراضي العثمانية ، وتعد أول تجربة بخصوص التواصل الحديث.
ومضت خمس سنوات قبل أن يعتمد الكونجرس مبلغاً خاصاً لإنفاقه على تجربة التلغراف، مما اضطر "مورس" أن ينتقل إلى ميدان جديد، إلى ميدان التصوير، وكان ذلك على أثر لقائه بداجير Daguerre  في باريس. والغالب أن "مورس" كان أول من صنع جهازاً للتصوير في أمريكا. وبمعاونته استطاع "جون درابر" أن يطبع أول صورة فوتوغرافية، كما استطاعا معاً ابتكاراً طريقة لتقصير المدة اللازمة لعرض الفيلم للضوء عند التصوير، فقلت من خمس دقائق إلى بضع ثوان. ثم أخذ "مورس" يعطي دروساً في فن التصوير.
وفي عام 1843، خصص الكونجرس ثلاثين ألف دولار لبناء أول خط تلغرافي، رغم أن كثيرين من النواب اعتبروا اعتماد هذا المبلغ ضرباً من الجنون، وقال بعضهم" "إذا كنا سننقاد لهذا الجنون ونعتمد لهذه التجربة مثل هذا المبلغ .. إذن فلنخصص مبلغاً معادلاً للأبحاث التي تدور حول التنويم المغناطيسي!". وعين "مورس" مشرفاً على تأسيس أول خط تلغرافي وكان طوله أربعين ميلاً. وكان التصميم الأول يقضي بأن توضع الأسلاك تحت الأرض في أنابيب من الرصاص. وقد اخترع لهذا الغرض أحد العلماء جهازاً يشبه المحراث يحفر الأرض وفي نفس الوقت يضع الأتربة المرغوب دفنها في مكانها، ثم يهيل عليها التراب، ولكن بعد أن أنفق "مورس" 23 ألف دولار، اكتشف أن السلوك الكهربائية المطلوبة للعمل لا يمكن عزلها عزلاً تاماً بحيث يمكن استخدامها تحت الأرض في نطاق المبلغ المخصص. واضطر عندئذ إلى التفكير في وسيلة لإصلاح الخطأ قبل أن يعلم الجمهور الحقيقة، فيسلقه أعداؤه بألسنتهم .. لذلك فكر في تثبيت السلوك في أعمدة توضع – على أبعاد معينة – على طول الطريق.
وفي مايو عام 1844، تم مد أول خط تلغرافي، وأرسلت الرسالة الأولى إلى واشنجتون تتضمن تفصيلات ما دار في أحد المؤتمرات في بالتيمور. وبعد أن تليت الرسالة المنقولة بالتغراف على جموع المحتفلين بهذه المعجزة، هتفوا ثلاثاً "بحياة" التلغراف.

تعليقات